رصد البنية التحتية

يشهد سوق البناء في الآسيان فترة ذهبية: كيف تشكل التحضر والبنية التحتية والابتكار القدرة التنافسية الإقليمية خلال العقد المقبل

يستند هذا المقال إلى أحدث تقرير عن سوق البناء في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ويحلل من منظور منطقة الآسيان كيف تعيد العوامل الحضرية والاستثمار في البنية التحتية والابتكار التكنولوجي تشكيل هيكل سوق البناء الإقليمي، ويناقش اتجاهات التطوير طويلة الأجل.

مقدمة

وفقًا لأحدث إصدار من "تقرير سوق البناء في آسيا والمحيط الهادئ"، بلغ حجم سوق البناء في منطقة آسيا والمحيط الهادئ في عام 2025 حوالي 3.88 تريليون دولار أمريكي، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 7.48 تريليون دولار بحلول عام 2034، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 7.57%. القوة الدافعة الأساسية وراء هذا النمو تتمثل في استمرار التحضر، والهجرة السكانية، وأولوية استثمار الحكومات في البنية التحتية المادية. وفي عموم منطقة آسيا والمحيط الهادئ، تبرز دول الآسيان العشر بفضل بنيتها السكانية الشابة، وتسارع تطوير بنيتها التحتية، والارتفاع السريع للطلب الاستهلاكي الحضري، لتصبح قطبًا للنمو لا يمكن إغفاله.

يستعرض التقرير أسواقًا رئيسية مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، غير أن الحضور الجنوب شرق آسيوي فيه — معايير سنغافورة للبناء الأخضر، ومشروع نقل العاصمة في إندونيسيا، وتحدي الكثافة السكانية في مانيلا بالفلبين، والتحضر الساحلي في فيتنام — يكشف على وجه التحديد التغيرات البنيوية التي يمر بها سوق البناء في دول الآسيان. تنطلق هذه المقالة من منظور إقليمي للآسيان، وتقوم بتفكيك اتجاهات الصناعة التي يعكسها هذا التقرير، وتناول كيف تؤثر هذه التغيرات في سلسلة الصناعة الإقليمية، والاستثمارات العابرة للحدود، والقدرة التنافسية طويلة الأجل.

موجة التحضر: الآسيان تُطلق طلبًا سكنيًا بعشرات الملايين

تجاوزت نسبة سكان الحضر في منطقة آسيا والمحيط الهادئ 56% في عام 2023، ومن المتوقع أن تقترب من 59% بحلول عام 2030. وتظهر بيانات الأمم المتحدة أن آسيا النامية ستضيف 1.1 مليار نسمة من سكان الحضر بين عامي 2020 و2050. وتقف دول الآسيان في طليعة هذا الاتجاه. إذ تتجاوز الكثافة السكانية في مانيلا 47 ألف نسمة لكل كيلومتر مربع، ما يجعل الإسكان الرأسي والتطوير متعدد الاستخدامات أمرًا حتميًا؛ بينما حافظ إنفاق فيتنام على الإسكان على معدل نمو سنوي قدره 7.3% بين عامي 2018 و2022، مما يعكس رغبة الطبقة المتوسطة في ترقية البيئة السكنية.

المنطق الاقتصادي الكامن وراء هذه الأرقام هو أن دول الآسيان تمر بمرحلة انتقالية من الاقتصاد الزراعي إلى الاقتصاد الخدمي والصناعي، حيث يتدفق أعداد كبيرة من العمالة إلى المدن، وأول ما تحتاجه هو المساكن. ويشدد التقرير على أنه في الأسواق الناشئة بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ، تشكل المساكن الموجهة لذوي الدخل المنخفض والمتوسط أكثر من 60% من مشاريع الإسكان الجديدة. وبالنسبة لإندونيسيا والفلبين وفيتنام وغيرها، فهذا يعني أن سوق بناء ضخم السعة آخذ في التبلور. وهذا التوسع في الطلب المحلي المدفوع بالسكان والتحضر لا يعود بالنفع على شركات البناء المحلية فحسب، بل يخلق أيضًا فرصًا عابرة للحدود لموردي مواد البناء، ومعدات التشييد، ومقدمي خدمات التصميم في المنطقة.

الدافع الحكومي: استثمار البنية التحتية كرافعة للتآزر الاقتصادي الإقليمي

يعد استثمار البنية التحتية بقيادة الحكومات قوة دفع رئيسية أخرى وراء تسارع سوق البناء في آسيا والمحيط الهادئ. ويشير التقرير إلى أن الحكومة الإندونيسية تخطط لاستثمار 450 مليار دولار أمريكي قبل عام 2045 في بناء الموانئ والسكك الحديدية والعاصمة الجديدة نوسانتارا وغير ذلك. واستخدام أموال بهذا الحجم الضخم يعني حتمًا مشتريات عابرة للحدود، واستقطاب مقاولي البناء الإقليميين، وإحداث تدفق إقليمي للمعايير الفنية ونماذج التمويل. وبناء العاصمة الجديدة بحد ذاته مشروع عابر للحدود: فهو يتطلب استشارات هندسية، ومكونات مسبقة الصنع، وخدمات لوجستية، واستقطاب الكفاءات، وهو ما يوفر للشركات في الدول المجاورة مثل سنغافورة وماليزيا فرصة للمشاركة في العوائد طويلة المدى لمشروعات البنية التحتية الإندونيسية.مثل هذه المشاريع الاستراتيجية ليست فريدة من نوعها في الآسيان. كما يذكر التقرير معايير البناء الأخضر في سنغافورة، وميزانيات البنية التحتية في أستراليا، وغيرها، لكن الآليات التعاونية الخاصة بآسيان — مثل الخطة الرئيسية لربط آسيان 2025 — تعمل على ربط خطط البنية التحتية للدول بشبكات سلاسل التوريد الإقليمية. وهذا يعني أن مشروع ترقية ميناء في الفلبين قد يستخدم عناصر مسبقة الصنع مُصنَّعة في تايلاند، وتنفذه شركة إنشاءات ماليزية. الاستثمارات الوطنية في البنية التحتية تتحول إلى محفز للتجارة البينية وتدفقات رأس المال داخل آسيان.

قيود وعقبات: نقص العمالة وتجزؤ التنظيم يعوقان القدرة الإنتاجية

على الرغم من التفاؤل بشأن الآفاق، يواجه سوق البناء في آسيان عنقَي زجاجة هيكليين رئيسيين: نقص العمالة وعدم كفاءة الموافقات الإدارية. ويُظهر التقرير وجود فجوة في القوى العاملة في جميع أنحاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ، فقد فقدت اليابان 18% من قوتها العاملة في البناء خلال العقد الماضي، ويتجاوز متوسط عمر العامل 57 عامًا؛ وفي الهند، لم يتلقَّ أقل من 10% من عمال البناء تدريبًا رسميًا. أما في جنوب شرق آسيا، فتعتمد ماليزيا وسنغافورة منذ فترة طويلة على العمالة العابرة للحدود، وكثيرًا ما تؤدي التعديلات في سياسات الهجرة إلى تأخير الجداول الزمنية للمشاريع. وفيما يتعلق بالعمالة الماهرة (مثل مديري المشاريع والمهندسين الإنشائيين)، تواجه آسيان منافسة شرسة على المواهب مع اقتصادات آسيا والمحيط الهادئ الأكثر نضجًا.

ويُشكّل تجزؤ الأطر التنظيمية عقبة مؤسسية إقليمية أكبر. تحتاج الفلبين في المتوسط إلى أكثر من 150 يومًا للحصول على تراخيص البناء؛ وفي أستراليا، تتسبب اللوائح الفيدرالية والولائية المتداخلة في تأخير المشاريع الكبيرة بمتوسط 2.3 عام. ورغم أن التعقيد ليس بمستوى التعقيد في أوروبا وأمريكا، فإن مشكلات تراخيص الأراضي والموافقات البيئية والاختصاصات بين مستويات الحكومة المختلفة داخل دول آسيان تعمل على تضخيم التكاليف الزمنية والتمويلية للمشاريع. وبالنسبة للمستثمرين عبر الحدود، قد يكون هذا القدر من عدم اليقين أكثر تثبيطًا من مجرد الدورات السوقية. وهذا يذكّرنا بأن المنافسة في سوق البناء لا تعتمد على تكلفة العمالة فحسب، بل على كفاءة المؤسسات أيضًا.

الابتكار والتحول الأخضر: مضمار المنافسة المستقبلي لقطاع البناء

وفي مواجهة تحديات العمالة والكفاءة، تعمل أساليب البناء من الجيل الجديد على كسر عنق الزجاجة. ويؤكد التقرير أن البناء الجاهز والإنشاءات المعيارية (الموديولية) أصبحت فرصة لافتة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. منذ عام 2020، تفرض سنغافورة استخدام نظام البناء المعياري مسبق الصنع والمجهز (PPVC) في أكثر من 70% من مشاريع الإسكان العام الجديدة. ووفقًا لهيئة البناء والتشييد في سنغافورة، فإن هذه الطريقة قلّصت زمن البناء بنسبة تصل إلى 40% وخفضت نفايات الموقع بنسبة 30%. أكثر من 15% من المساكن في اليابان تُبنى بالطرق المعيارية، وتشير أبحاث ماكنزي إلى أن البناء المعياري عند التوسع فيه يمكن أن يخفض تكلفة المشروع بالكامل بنسبة 15-20%. يتمتع سوق آسيان بإمكانات هائلة لتكرار هذا النموذج، لا سيما في المناطق الحضرية الكبرى التي ترتفع فيها تكاليف الأراضي حاليًا ويشهد فيها عمال البناء المهرة نقصًا.كما يلفت الانتباه أيضًا انتشارُ شهادات المباني الخضراء. فبحلول عام 2023، تجاوز عدد المشاريع الحاصلة على علامة المباني الخضراء في سنغافورة 4800 مشروع؛ بينما بلغت مساحة المباني الخضراء المسجلة أو المعتمدة في الهند أكثر من 7.5 مليار قدم مربع، بمعدل نمو سنوي يبلغ 25%. وفي مسار التحضر في الآسيان، لا يؤدي اعتماد تصاميم عالية كفاءة الطاقة للمباني إلى خفض تكاليف التشغيل فحسب، بل يعزز أيضًا مرونة المباني في مواجهة المناخ. ومع تزايد مطالبة البنوك وشركات إدارة الأصول بالإفصاح عن المعايير البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات (ESG)، أصبحت المؤهلات الخضراء معيارًا صارمًا في تمويل الأصول العقارية. وستكون مشاريع المباني الخضراء في الدول النامية أكثر جاذبية للاستثمار الأجنبي والقروض الميسَّرة، وهو ما يمثل فائدة محتملة لدول ذات احتياجات هائلة لتطوير البنية التحتية، مثل إندونيسيا والفلبين.

تقلبات التكاليف واختبار الطبيعة

بطبيعة الحال، يواجه سوق البناء ضغوطًا مزدوجة، من سلاسل التوريد ومن المناخ. فقد ارتفعت أسعار الصلب العالمية في عام 2022 بأكثر من 50% مقارنة بالعام السابق، كما شهدت أسعار الأسمنت والأخشاب تقلبات حادة في المنطقة. فبين عامي 2021 و2023، ارتفعت أسعار الأسمنت في الهند بنسبة 22%، فيما ارتفعت أسعار الأخشاب في أستراليا بنسبة 40% خلال الفترة نفسها. وبالنسبة إلى المقاولين الصغار ومتوسطي الحجم، يمكن أن تؤدي هذه التغيرات السعرية إلى تآكل الأرباح أو حتى إلى إيقاف المشاريع. ونظرًا إلى اعتماد معظم دول الآسيان بدرجة كبيرة على استيراد مواد البناء، فإن تقلبات أسعار الصرف تزيد من تفاقم مخاطر التكاليف.

وفي الوقت نفسه، يتعيّن على قطاع البناء أن يواكب تغيّر المناخ. فقد أسفرت الأعاصير في الفلبين عن خسائر في البنية التحتية تجاوزت 1.2 مليار دولار في عام 2023؛ وتركّز 70% من الأنشطة الاقتصادية في فيتنام في مناطق ساحلية معرّضة للفيضانات؛ وتهبط أجزاء واسعة من جاكرتا بمعدل يصل إلى 25 سنتيمترًا سنويًا — وهو ما يعد أحد الأسباب الكامنة وراء قرار إندونيسيا نقل العاصمة إلى نوسانتارا. ويعكس هذا ضرورة أن يدمج قطاع البناء في الآسيان "المرونة المناخية" في مراحل التصميم والتنفيذ والتشغيل جميعها — لا لمواجهة الكوارث فحسب، بل بوصفها استثمارًا استراتيجيًا يمتد على مدى الخمسين عامًا المقبلة.

نحو 2034: التكامل الإقليمي لدول الآسيان وقضية الارتقاء الصناعي

الرسالة التي يوجهها هذا التقرير عن سوق البناء في آسيا والمحيط الهادئ إلى صناع القرار في المنطقة هي أن سوق البناء لم يعد مجرد صناعة بسيطة "لتشييد المباني"، بل أصبح حلقة اقتصادية متكاملة تُعنى بسياسات التحضر، والابتكار التكنولوجي، وتنظيم سلاسل التوريد، والقدرة على التكيف مع المناخ. وإذا نجحت دول الآسيان في تنسيق المعايير والأطر التنظيمية بينها، وفي الإسراع بتبنّي التقنيات الجديدة وقواعد المباني الخضراء، فستتاح لها فرصة أن تصبح محورًا حقيقيًا في سلسلة قيمة البناء في آسيا والمحيط الهادئ خلال العقد المقبل؛ أما إذا طال بها الأمد وهي تعاني من نقص العمالة وتشتت المؤسسات، فقد تفشل في بلوغ القمة في السباق العالمي على رؤوس الأموال.

وتتجلى الإمكانات الجماعية لدول الآسيان بوصفها سوقًا واحدة وقاعدة إنتاج واحدة في تجربة سنغافورة في أنظمة PPVC، والمخطط الرئيسي للبنية التحتية في إندونيسيا، وطفرة الإسكان في فيتنام... ومع تسارع تدفقات المعرفة ورؤوس الأموال داخل المنطقة، أصبحت شركات البناء متعددة الجنسيات تنظر إلى جنوب شرق آسيا بوصفها أهم أرضية لتجارب النمو في العالم. وستعكس المنافسة في قطاع البناء، في نهاية المطاف، الاستجابات المؤسسية والابتكارية للدول والمدن لرؤاها التنموية المستقبلية.في هذا السياق، تحتاج حكومات دول الآسيان والبنوك التنموية الإقليمية والمؤسسات الخاصة إلى التعاون بشكل أوثق لتحويل مشاريع البنية التحتية في كل دولة إلى محركات لتعزيز الترابط الإقليمي والازدهار المشترك. وهكذا، عندما ينمو حجم سوق البناء في منطقة آسيا والمحيط الهادئ إلى 7.48 تريليون دولار بحلول عام 2034، فإن ما تحتله دول الآسيان لن يكون مجرد رقم، بل سيكون مصدرًا لمعايير البناء وشبكات سلسلة الإمداد ومنطلقًا للابتكار التكنولوجي ذي التأثير العالمي.

استخدام المصادر · aseaninsight

تضع aseaninsight هذه الملاحظة ضمن تنشر رؤى آسيان تحليلات وموجزات متعددة اللغات.. ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق؛ ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص. موجز الآسيان / أحدث تغطية لموجز الآسيان. / التجارة عبر الحدود يوضح الزاوية التحريرية المحلية.

روابط المصادر

  1. https://www.marketdataforecast.com/market-reports/asia-pacific-construction-marketأساسي

مقالات ذات صلة

العودة إلى القناة